[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذه الصورة]

نتكلم كثيرا عن "إذاعة صوت العرب من
القاهرة" ... وحناجر المذيعين ... وننتقد .. ونمندح .. ولكن سيبقي موضوع
إذاعة صوت العرب من القاهرة ... غير مكتمل ، ما دمنا لم نتطرق إلي تاريخ
قصة نشأة ... هذه الأذاعة .. والمراحل الثلاثة لتطورها والتفاصيل التي
تتعلق بها ...

كانت "إذاعة صوت العرب" ... بركة للعديد ... ولنتذكر تدعيم "حرب مقاومة
الشعب الجزائري " من أجل الأستقلال ... ولن ننسي ما قامت به خلال أيام
العدوان الاثي علي بورسعيد ، وكيف أنها حركت الجماهير .. كما لن ننسي
مواضيعها عن حرب المقاومة في "عمان" .. واليمن .. و "فلسطين" ..
ولن ننسي ما قيل وكيف أن الشعب "المصري" كان يستمع ... مبهورا لما يحدث حوله



[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذه الصورة]

ولقد بحثت طويلا ، حتي أعثر علي
الموضوع المتكامل التالي ... وأنشره لتكملة ... المعلومات التي تنقص العديد
.... ومعرفة المزيد عن سنوات "اخمسينيات ... وما تلاهم


د. يحي الشاعر



[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذه الصورة]



المقدمة
عرفت مصر الإرسال الإذاعي في العقد الثاني من القرن العشرين، وذلك في صورة
محطات إذاعة خاصة، أو أهلية ذات طابع تجاري محض. وكانت هذه المحطات تحمل
أسماء أصحابها، أو أسماء شخصيات عامة، وعلى سبيل المثال، كان هناك راديو
سابو، وراديو فريد، وراديو صايغ، وراديو الأميرة فوزية، وراديو مجازين. ومن
الصعب الحصر التام أو الكامل لأعداد تلك المحطات أو أسماءها، لأن بعضها
كان يتوقف بعد فترة قصيرة، وبعضها يندمج مع محطات أخرى. إلا أن عدد هذه
المحطات، عند صدور القرار بإلغاء المحطات الخاصة أو الأهلية، بلغ 11 محطة،
عند بدء إرسال أول محطة إذاعية حكومية.
وكانت معظم هذه المحطات تتركز في القاهرة والإسكندرية، وتذيع برامجها
باللغة العربية، ما عدا قلة منها كانت تذيع بلغات أجنبية. وكان الإرسال في
معظمه محدوداً، ولا يغطي إلا الحي الذي تقع فيه المحطة، أو جزءاً منه فقط.
وكان أصحاب معظم تلك المحطات من التجار، الذين يرغبون في الدعاية عن
بضائعهم، فتُرسل محطاتهم ما بين ساعتين وأربع ساعات يومياً، على فترة واحدة
أو فترتين. وكانت البرامج في معظمها، تقوم على الإعلانات والأغاني
والترفيه.
ومع تكاثر هذه المحطات الأهلية، بدأت السلطات البريطانية تشعر بشيء من
القلق تجاهها، خاصة أن الشباب الوطني استغل بعض هذه المحطات، لمهاجمة
الحكومات القائمة. وبذلك أصبح احتمال استغلال تلك المحطات في نشاطات سياسية
قائماً، إضافة إلى احتمال تسلل الفكر النازي إلى بعضها، فضلاً عن أن
المهاترات والمواجهات الكلامية، بين المحطات الأهلية، بلغت حداً لا يمكن
السكوت عليه. وبسبب ذلك ألغى المندوب السامي البريطاني سنة 1932، القرار
الذي كان قد أصدره سنة 1926 بعدم إنشاء محطة الإذاعة الحكومية، ودعا أصحاب
المحطات الأهلية إلى التعهد بإغلاق محطاتهم، فور إتمام إنشاء المحطة
الحكومية. وواكب ذلك موافقة مجلس الوزراء، في 21 يوليه 1932، على إنشاء
محطة الإذاعة اللاسلكية للحكومة المصرية، وأن تتولى شركة ماركوني Marconi
التليغرافية اللاسلكية، البريطانية الجنسية، إدارة هذه الإذاعة وتشغيلها
وصيانتها، وإعداد البرامج والمذيعين، على اعتبار أن تلك الشركة وكيلة عن
الحكومة المصرية، من ناحية، ووفقاً لنصوص المعاهدة الدولية للبرق واللاسلكي
المبرمة في واشنطن، في 25 نوفمبر 1927، والتي اشتركت فيها مصر، من ناحية
أخرى.وفي تمام الساعة الخامسة والنصف، من مساء 31 مايو 1934 انطلقت أول
محطة إذاعية حكومية في مصر، من خلال صوت المرحوم أحمد سالم، أول مذيع مصري.
وكانت أول كلماته: "آلو..آلو.. هنا الإذاعة اللاسلكية للحكومة المصرية".
كان التعاقد الخاص بالإشراف على الإذاعة، بين الحكومة المصرية وشركة
ماركوني، لمدة عشرة أعوام، تنتهي سنة 1944. ثم وافق مجلس الوزراء على تجديد
العقد لمدة خمس سنوات أخرى، تنتهي عام 1949، وكانت الإذاعة الوليدة في ذلك
الوقت، تابعة من الناحيتين الإدارية والفنية، لوزارة المواصلات، ثم انتقلت
هذه التبعية إلى وزارة الشؤون الاجتماعية، عند إنشائها عام 1939.
وفي مارس 1947، قررت الحكومة فسخ التعاقد مع شركة ماركوني، فاتحة الباب
بذلك أمام مرحلة تمصير الإذاعة، وإبعادها عن إشراف أجنبي. وجرى بالفعل
استلام الإذاعة من الشركة البريطانية، في نهاية مايو 1947. وفي أواخر يوليه
1949 صدر أول تشريع متكامل للإذاعة في مصر، جاء فيه: أن الإذاعة هيئة
مستقلة ذات شخصية معنوية، تسمى الإذاعة المصرية، وتلحق برئاسة مجلس
الوزراء، ويكون لها مجلس إدارة من ثلاثة عشر عضواً.
وهكذا بدأت عملية التمصير تسير في طريقها السريع، إلى أن تحولت الإذاعة إلى
جهاز مصري خالص، بعيداً عن أي سيطرة أجنبية. وقد شهدت فترة التمصير
أحداثاً جساماً في تاريخ مصر، تأتي في مقدمتها حرب فلسطين عام 1948، وكان
تأثيرها عميقاً على الإذاعة من عدة جوانب، أهمها:
1. أن الإذاعة دخلت طوراً جديداً من أطوارها، وهو خدمة الأهداف السياسية
للدولة تماماً، والابتعاد التدريجي عن الطابع، الذي ظلت تحافظ عليه منذ
إنشائها. وتحولت الإذاعة إلى قلعة من قلاع الكفاح، من أجل تحقيق خطوات
التمصير، من ناحية، وملاحقة التطورات السياسية، التي تدور على الساحة
الوطنية من أجل قضايا الاستقلال والتحرر الوطني، من ناحية أخرى.
2. أن حرب فلسطين تمثل بداية جديدة للإذاعة في عالم العلاقات بين مصر
والعالم الخارجي، فقد تحولت الإذاعة إلى صوت مصر الموجه إلى العالم
الخارجي، وكانت قبل ذلك تركز اهتماماتها في خدمة المصالح الأجنبية.
3. ظهور جيل من الكتاب والمفكرين، تناول القضية الفلسطينية عبر الإذاعة
بشكل جديد، حيث تركز خطابه الإعلامي على: أننا لا نواجه دولة، ولكن نواجه
عصابات، وأن حرب العصابات بين العرب والكيان الصهيوني، ليست سوى قتل بين
دول وعصابات.
وفي سنة 1949، بدأت إذاعة ركن السودان إرسالها من القاهرة لمدة نصف ساعة كل
أسبوع. ولم يكن برنامجها يتضمن سوى حديث عن السودان، وأغنية سودانية،
وتعليق على الأنباء. وفي سنة 1952، زيدت فترة إذاعة ركن السودان إلى ربع
ساعة يومياً، مع بقاء نصف الساعة الأسبوعية المخصصة له من قبل. ومرة أخرى،
رئي في سنة 1953، زيادة فترة الإرسال إلى نصف ساعة كل يوم. وفي أوائل سنة
1954، تقرر تخصيص برنامج سوداني كامل ومستقل عن البرنامج العام، يذاع على
موجة خاصة به، كما تقرر أيضا إنشاء مكتب للإذاعة بالخرطوم، يمد هذا
البرنامج الجديد بالأخبار والتسجيلات، وأُلحق به أستوديو كامل مجهز.
وعندما أُلغي العمل بمعاهدة 1936، في 26 أكتوبر 1951، تصاعد كفاح الفدائيين
في منطقة القناة، وعملت الإذاعة على إذكاء الشعور الوطني، وحددت أسس
سياستها في ذلك في ثلاثة أهداف، هي:
1. أن تكون مرآة صادقة للشعور الوطني، الذي تنعكس عليه أحاسيس الأمة.
2. أن تكون منهلاً عذباً يستمد منه المواطن الاتجاه، الذي يجب أن تولي الأمة وجهها شطره في جهادها الوطني.
3. أن تطالع الجمهور بغذاء فني روحي خالص، يشد من أزره، ولا يفت من عضده.
وما لبث أن اندلع حريق القاهرة في 26 يناير 1952، وتوالى قيام الوزارات المصرية قصيرة العمر وسقوطها، حتى قامت ثورة يوليه 1952.
ففي صباح الأربعاء 23يوليه 1952، استمع جمهور المستمعين لأول بيان من
اللواء محمد نجيب بك، القائد العام للقوات المسلحة، بصوت المذيع جلال معوض،
يعلن فيه قيام الجيش بحركة عسكرية، هدفها إعادة الحياة الدستورية للبلاد،
وتطهير الجيش من العناصر الفاسدة. وقد توجه اللواء محمد نجيب بك إلى دار
الإذاعة (انظر صورة مبنى الإذاعة المصرية وصورة مبنى الإذاعة والتليفزيون)،
يوم الخميس 24يوليه 1952، بصحبة البكباشي أنور السادات وآخرين، والتقى
هناك بوكيل الإذاعة على خليل بك، قبل أن يذيع بيانه الجديد. وبدأت بعض
إجراءات التغيير في إدارة الإذاعة المصرية، فندب عبدالحميد الحديدي مراقباً
عاماً للبرامج العربية، وتولى السيد بدير عمله بالإذاعة، بعد انقطاع ثلاثة
شهور، واستقبلت الإذاعة محمد فتحي بعد غيبة طويلة، وقد دعا إلى اجتماع عام
للموظفين، ووقف بينهم يقول: لا ينبغي أن يعرقل أي شيء، سواء كان مادياً أو
أدبياً، طريقنا في سبيل إصلاح البرامج وترقيتها، وجعلها جديرة باسم مصر
المتحررة".
ثم أذاع الراديو في 26 يوليه 1952، إنذار القائد العام للقوات المسلحة،
الموجه إلى الملك بتنازله عن العرش ومغادرة البلاد. وحين سُئل رئيس مجلس
إدارة الإذاعة، آنذاك، إبراهيم عبدالوهاب بك، عن التغيير، الذي سيصيب
الإذاعة بعد أحداث 23يوليه 1952، قال: سيصيب الإذاعة ما ينبغي لها من تطهير
وإصلاح واستقرار، وأضاف قائلاً عن مشروعات الإذاعة في ظل العهد الجديد: لا
مشروعات كلامية، ويجب أن ننتظر حتى نرى مشروعات فعلية عملية.
وهكذا انطوت صفحة من تاريخ الإذاعة في ظل الإدارة الوطنية، بدأت عام 1947 واستمرت حتى 23 يوليه 1952، لتبدأ مرحلة جديدة تماماً





[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذه الصورة]



الجـــزء الأول
إذاعة صوت العرب في الفترة بين 1953إلى 1967

الإذاعة وثورة 23 يوليه 1952

الإذاعة وثورة 23 يوليه 1952
مع قيام ثورة 23 يوليه، بدأت مرحلة جديدة في حياة الإذاعة المصرية. اتسمت
بالتوسع والتطوير البرامجي، من ناحية، وتعدد الإشراف الإداري، من ناحية
أخرى. فقد صدر المرسوم بالقانون ذي الرقم 270 لسنة 1952، في 10 نوفمبر
1952، بإنشاء وزارة للإرشاد القومي، هدفها توجيه أفراد الأمة، وإرشادهم إلى
ما يرفع مستواهم المادي والأدبي، ويقوي روحهم المعنوية وشعورهم
بالمسؤولية، ويحفزهم على التعاون والتضحية، ومضاعفة الجهد في خدمة الوطن،
وإرشادهم إلى ما يجب لمكافحة الأوبئة والآفات الزراعية، والعادات المؤذية،
وبصفة عامة ما يعين على جعلهم مواطنين صالحين. وقد نص القانون على نقل
تبعية الإذاعة المصرية، من رئاسة مجلس الوزراء إلى وزارة الإرشاد القومي.
عقب ثورة 1952، لم يكن هنالك بد من تخصيص خدمة إذاعية، تصل واضحة إلى الدول
العربية. وبالفعل بدأت إذاعة صوت العرب، في 4يوليه 1953، لمدة نصف ساعة
فقط في البداية. ووصلت إلى ساعة كاملة في أكتوبر من العام نفسه. وتطورت
ساعات إرسال صوت العرب، وتقدمت تقدماً كبيراً، حين اتخذت هذه الخدمة
الإذاعية طابعاً وطنياً، من خلال اهتمامها بالدور، الذي يجب أن تلعبه الدول
العربية للتحرر. وقد تحقق لها، من خلال التركيز على قطاعات واسعة من
المستمعين العرب، قاعدة جماهيرية كبيرة، مما شجعها على إنشاء إذاعة للثورة
الجزائرية، منذ بدئها في أول نوفمبر 1954، حتى استقلالها سنة 1962.
النشأة والبدايات الأولى
وفي هذا السياق السياسي والإعلامي العربي والدولي، رأت القيادة السياسية في
مصر، في مايو سنة 1953، توجيه برنامج إلى الجماهير العربية، في جميع أجزاء
الوطن العربي الكبير، وقد سارعت الإذاعة إلى تنفيذ هذه الرغبة، فبدأت في
دراسة إمكانياتها الهندسية والفنية المختلفة، وانتهت هذه الدراسة في شهر
يونيه 1953 إلى النتائج التالية:
1. إمكان تخصيص ساعة كل يوم للبرنامج المطلوب، استقطاعاً من وقت الإرسال
المخصص للبرنامج الثاني، الذي كانت تقدمه الإذاعة في ذلك الوقت، لمدة ساعة
ونصف من مغرب كل يوم.
2. ضرورة تقوية محطات الإرسال، حتى يصل البرنامج المطلوب، بوضوح، إلى المستمعين العرب، من الخليج إلى المحيط.
3. تكليف مراقبة البرامج بإعداد هذا البرنامج وتقديمه، واختير له اسم "إذاعة صوت العرب من القاهرة".
وقد حُددت لإذاعة صوت العرب ثلاثة أهداف، هي نفسها أهداف ثورة 23 يوليه
1952، كما وردت في كتاب "فلسفة الثورة" للرئيس جمال عبدالناصر، وهي:
1. التعبير الصادق عن آلام الجماهير العربية وآمالها، في جميع أجزاء الوطن العربي.
2. الدعوة إلى تحرير البلاد العربية من الاستعمار وعملائه، وتحكم الرأسمالية والإقطاع في جماهير العرب.
3. العمل على جمع كلمة العرب، وحشد قواهم ضد أعداء العروبة، والسعي معهم لتحقيق الوحدة العربية المرجوة.
وبعد أكثر من شهر من الدراسة والاستعداد، تقرر أن يبدأ بث الإذاعة الجديدة
في الساعة السادسة، من مساء السبت، 4 يوليه 1953. واستمر الإرسال وقتئذ
لمدة نصف ساعة، متضمناً الموضوعات الآتية:
1. كلمة الإذاعة.
2. كلمة السيد رئيس الجمهورية محمد نجيب.
3. كلمة السيد الأمين العام لجامعة الدول العربية.
4. برنامج عن الفن في خدمة العروبة.
ودعمت الإذاعة في أكتوبر 1953، "إذاعة صوت العرب"، ولم يكن قد مضى سوى
ثلاثة أشهر على افتتاحها. وأصبح الإرسال ساعة كل يوم، وفي يناير 1954، أصبح
الإرسال ساعتين يومياً، بعد أن حل صوت العرب مكان البرنامج الثاني، الذي
أُلغي.
وفي يوليه 1954، أصبح الإرسال سبع ساعات يومياً، ثم زيد حتى أصبح 22 ساعة
يومياً. وزادت قوة أجهزة الإرسال، التي ربطت بين أجزاء الوطن العربي، من
الخليج إلى المحيط.
أبرز اهتمامات إذاعة "صوت العرب"
كانت أول أعمال إذاعة "صوت العرب"، بعد أكثر من شهر ونصف من بدء إرسالها،
أنها شنت حملة يومية عنيفة على الاستعمار الفرنسي، بسبب خلعه سلطان المغرب،
محمد الخامس. وتجاوب مع الحملة الشعب العربي، الذي هب يدافع عن كرامته،
مطالباً بالاستقلال والحرية. وعاد السلطان محمد الخامس، ورُفعت الحماية
الفرنسية عن المغرب.
وقد صرح السلطان محمد الخامس في حديث له، بأن إذاعة صوت العرب من القاهرة،
كانت البشير له في المنفى بالانتصار، وبأنها وقفت إلى جانب شعب المغرب،
تهيب به أن يثور، حتى ثار ونال حريته واستقلاله.
وتبنت إذاعة صوت العرب تشجيع حركات التحرير في أنحاء العالم العربي، في
الجزائر وتونس، وشجعت نشاط المعارضة في جميع الدول العربية، التي كانت تحت
الاستعمار، وفي اليمن، وفي العراق.
ولم تقف إذاعة صوت العرب عند الاهتمام بالشرق الأوسط والدول العربية فحسب، بل امتد اهتمامها كذلك إلى القارة الأفريقية.
وقد تناولت بعض الأقلام إذاعة صوت العرب، وأشارت إلى أهميتها. ففي جريدة
لوموند الفرنسية مثلا، قدم الصحفي المختص بشؤون الشرق الأوسط، سلسلة من
المقالات عن القومية العربية، قال في إحداها: أنا لا أعرف مطلقاً مقهى
واحداً في أي بقعة من العالم العربي، لا تقدم لزبائنه البرامج، التي تبث من
مصر، بأعلى درجة ممكنة من الصوت، في أثناء لعب الطاولة أو تدخين
النارجيلة. كذلك فإن مؤشرات الراديو في سيارات الأجرة، في بغداد كما في
دمشق وفي المدن العربية الأخرى، مثبتة على الصوت القادم من صوت العرب من
القاهرة، الذي يديره أحمد سعيد. وقد يبلغ الانفعال لدى السائق أو الركاب
إلى الحد الذي يهدد حياة المشاة في الشارع بالخطر، مشيراً بذلك إلى تأثير
صوت العرب.
وعن تأثير هذه الإذاعة، ذكرت الدوائر المطلعة في بيروت مثلاً، أن هجوم
إذاعة صوت العرب على الأردن وأمريكا، كان السبب المباشر لمحاولة نسف
السفارة الأردنية، ومكاتب الاستعلامات الأمريكية. بل رأى بعضهم أن صوت
العرب، كان وراء كل الحركات التحررية، التي كانت تثور في مناطق عديدة على
مستوى العالم العربي.
كذلك، كتبت صحيفة Commentator of the people البريطانية أن إذاعة صوت
العرب، دأبت على إثارة العرب في محمية عدن، وغيرها من محميات الجنوب
العربي. وقالت إن هذه الإذاعة كان لها أثرها في إثارة سكان هذه المناطق،
التي تعد حيوية بالنسبة إلى بريطانيا. وكانت إذاعة صوت العرب تقدم صوراً
صوتية من العواصم العربية في مناسبات مختلفة، لنقل الاحتفالات بشهر رمضان
وغيرها من المناسبات الدينية والاجتماعية.
وتجدر الإشارة إلى اهتمام صوت العرب بالدول العربية، اهتماماً يتضح جلياً
في إنشاء إذاعة للجزائر في القاهرة، بدأت إرسالها في 13 مايو 1967. وكانت
برامج هذه الإذاعة تقدم من الساعة التاسعة والنصف مساء إلى العاشرة والنصف
مساء، بتوقيت القاهرة (من 7.30 إلى 8.30 مساء بتوقيت الجزائر) وذلك على
موجة قصيرة طولها 19.44 متر. وافتتحت برامجها بحديث ليوسف بن خدة، رئيس
حكومة الجزائر المؤقتة، استغرق أربع دقائق، تم تسجيله في تونس، وكانت إدارة
هذه الإذاعة إدارة جزائرية / مصرية مشتركة.
كذلك، اهتمت إذاعة صوت العرب بالقضية الفلسطينية، وخصصت لها خدمة تابعة لها
تحمل اسم "إذاعة فلسطين". وكان ذلك أول بث إذاعي يعبر عن فلسطين، وبدأ من
القاهرة في 29 أكتوبر 1960 إلى أبناء الشعب الفلسطيني في الضفة الغربية
وقطاع غزة والقدس العربية، إلى جانب الشعب الفلسطيني.
وقد ساعد صوت العرب في تعبئة الشعور ضد دول الاستعمار، التي عدّت هذه
الإذاعة خطراً ضدها، مما جعل الصحف الاستعمارية تطالب بتجنيد أجهزتها
الإذاعية لمقاومتها، ونادت بوضع خطة للتشويش عليها، وهاجمت مذيعها أحمد
سعيد هجوماً عنيفاً، بل طالبت بعض الصحف، التي تصدر في شمال أفريقيا،
بالقبض على من يحاول الاستماع لصوت العرب. وكانت إذاعة "صوت العرب" تقدم،
إلى جانب البرامج الإخبارية والسياسية، برامج ترويحية وتثقيفية وغيرها.
وقد تفسّر شدة تأثيرها، ما كانت تبذله الدول الاستعمارية من محاولات للتخلص
من هذا التأثير، فسلطت صفارات الإنذار، وأجهزة التشويش اللاسلكي على موجات
صوت العرب. فكانت إحدى المحطات الاستعمارية تقدم على هذه الموجات ثلاث
أغانٍ وصفارة مستمرة، تجعل الاستماع لصوت العرب مستحيلاً. وتزداد هذه
المحطة الاستعمارية ضراوة في أوقات نشرات الأخبار والبرامج التوجيهية، التي
تستهدف حشد وتعبئة الرأي العام نحو القضايا المهمة.
أما عن هوية المحطة التي تشوش على إذاعة صوت العرب، فقد قيل إنها فرنسية،
تُرسل من الجزائر، وقيل إنها أمريكية موجودة في إحدى القواعد الأمريكية.
وقيل أيضاً إنها مجهولة الجنسية، وموجودة على سفينة في البحر الأبيض
المتوسط.
وكانت بريطانيا قد حاولت إنشاء إذاعة منافسة لصوت العرب، تحت اسم "ركن
العرب"، ولكن محاولاتها فشلت في هذا الصدد. واعترف أعداء صوت العرب له
بالانتصار. فقد ذكرت صحيفة التايمز، مثلاً، أن على بريطانيا أن تتوقع عدداً
من المتاعب في الشرق الأوسط، بسبب الدعايات المستمرة من راديو القاهرة
ودمشق وصوت العرب، وقالت إن إنشاء محطات إذاعة بريطانية جديدة لا يكفي.
أما مجلة النيوزويك الأمريكية فقد نشرت، أن إذاعة صوت العرب من القاهرة
أصبحت أقوى مما كانت عليه في أي وقت مضى، وأن الولايات المتحدة هي الهدف
الرئيسي لها، وأن البرامج التي توجهها هذه الإذاعة إلى المناطق، التي يسيطر
عليها الاستعمار الإنجليزي والفرنسي، في شرق إفريقيا ووسطها، أكثر من
برامج الدعاية، التي توجهها فرنسا وبريطانيا مجتمعتين إلى هذه المناطق.

دور صوت العرب في الدعوة إلى القومية العربية
يتركز دور إذاعة صوت العرب، في الدعوة إلى القومية العربية في الآتي:
1. استثارة حماسة الجماهير في مصر والوطن العربي؛ لإحداث تحولات سياسية
واجتماعية واقتصادية، ونشر قيم سياسية مرتبطة بفكرة القومية انتهجتها
القيادة المصرية آنذاك، مثل الحرية والاشتراكية والوحدة.
2. بعث الشعور بين أبناء المنطقة العربية وأفريقيا، بإلغاء الحدود بين
أقطارها ورفع مستوى الفكر، وربط حركات التحرر بالعاصمة المصرية.
3. الترويج للشعارات العربية بين جماهير الوطن العربي، من بين هذه الشعارات
"ارفع رأسك يا أخي فقد ذهب عهد الاستعباد". وتردد صدى هذه الكلمات من
المغرب إلى العراق، على موجات إذاعة صوت العرب.
4. كوّنت البرامج الإذاعية لإذاعة صوت العرب رأياً عاماً، لم يكن موجوداً
من قبل، خاصة بين الأميين وأنصاف الأميين، على امتداد الوطن العربي، وكانت
فكرة القومية العربية هي محور هذا الرأي.
5. تعميق فكرة القومية العربية، حيث بدأ صوت العرب منذ عامه الثاني في
تقديم سلسلة من الأحاديث عن القومية العربية، وتاريخ نشوء مقوماتها،
وتطورها حتى تبلورت في الحركة العربية المتحررة المعاصرة.
6. تلبية مطالب الشعوب العربية من خلال إذاعة التمثيليات والأغاني
والموسيقى، التي تتفق والاحتياجات الإعلامية، كما تستهدف تحقيق الرغبات
السياسية للحكومة المصرية، برامج صوت العرب نوعاً جديداً من الأغاني
الشعبية، ذات الطابع السياسي.
7. إبراز قضايا الدول العربية والتعليق عليها، وما تقوله الصحف عن هذه
القضايا، وكذلك إبراز أمجاد الوطن العربي وقادته، الذين ناضلوا في سبيل هذه
القضايا.
8. إبراز الحقوق العربية، وتركز هذا بصفة أساسية في حق الاستقلال، الذي سلبه الاستعمار.
9. إبراز حقيقة علاقة مصر بالعالم العربي، وكيف أن هذه العلاقة هي علاقات
دم وأخوة ودين، وطبيعة هذه العلاقات من حيث كونها علاقات عاطفية جياشة، وأن
المصريين جزء لا يتجزأ من الأمة العربية.
10. إبراز العلاقة الإيجابية القوية بين الدين والقومية، وكيف أن الدين
الإسلامي يمثل إحدى الدعائم الأساسية للقومية العربية، من خلال تقديم
التمثيليات، التي تتناول حياة رواد الحرية والعدالة في التاريخ الإسلامي
الطويل.
11. التركيز على البعدين الاجتماعي والتاريخي للقومية العربية، مثل: وحدة
الميول والعادات، وأسلوب التفكير، والتكوين الحسي المشترك، ومحاولة خلق
وحدة في الفكر الاجتماعي.
وركزت برامج صوت العرب أيضاً على البعد التاريخي، أي وحدة الأحداث والأجواء
التاريخية، التي عاش فيها أبناء القومية العربية، مثل وحدة التضحيات
المشتركة، والذكريات الوطنية. ففي عامه الأول قدمت إذاعة صوت العرب سلسلة
من الأحاديث العامة تحت عنوان من أعياد العرب، واستعرض فيها تاريخ العرب
الحضاري.
يتضح من العناصر السابقة طبيعة الدور، الذي لعبته إذاعة صوت العرب، في
الدعوة إلى القومية العربية، خلال الخمسينيات والستينيات، وكانت هذه القضية
محل اهتمام الكثيرين، حيث يقول الكاتب الأمريكي ألفن توفلر[1] Alvin
Toffler في كتابه "صدمة المستقبل": كان للانتشار السريع لأجهزة الراديو
والترانزستور دور مهم في إحياء القومية العربية. والرأي نفسه يذهب إليه
المسؤولون الفرنسيون، حيث يؤكدون أن الحملات الإعلامية الإذاعية كانت وراء
نجاح فكرة القومية.
وجاء في تقرير قدمه مدير وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية CIA، عن دور
إذاعة القاهرة في الحرب ضد الإمبريالية، أن إذاعة القاهرة هي المنافس
الخطير للراديو الأمريكي. وفي جامعة برنستون بالولايات المتحدة الأمريكية،
قدمت ثلاث دراسات في معهد دراسات الشرق الأوسط، عن راديو القاهرة، تناولت
عمق تأثيره في المنطقة العربية والأفريقية. ووصل الأمر في محاربة الولايات
المتحدة لراديو القاهرة، أن اعتمد الكونجرس الأمريكي مبلغ 40 مليون دولار؛
لتقوية إذاعة صوت أمريكا سنة 1959، في الشرق الأوسط وأفريقيا، بل إن
الولايات المتحدة ربطت صادراتها إلى مصر بوقف الحملات الإذاعية، التي يشنها
ضدها صوت العرب.
وعلى النقيض من وجهة النظر، التي تؤكد نجاح إذاعة صوت العرب، في بلورة
وتجسيد فكرة القومية العربية، نجد المحلل السياسي البريطاني سير هيوجرين
يقول: لقد بالغ الكثيرون في وصف قوة الإذاعة بأنها سلاح في يد عبدالناصر،
وكل ما وصل إليه صوت القاهرة، إنما كان عن طريق استغلال العاطفة والشعارات
المحببة، مثل: العروبة ومناهضة بريطانيا وفرنسا والاستعمار عامة، وهي مشاعر
كامنة فعلاً في الدول العربية، ولم يخلقها صوت العرب.
وهناك الانتقاد الذي يوجهه البعض إلى صوت العرب في الخمسينيات، هذا
الانتقاد، الذي يتجسد في أن برامج صوت العرب اعتمدت على إثارة المشاعر، من
دون وجود فكرة واضحة لكيفية توجيهها. ويفسر بعض الباحثين نجاح إذاعة صوت
العرب في الدعوة إلى القومية العربية بالعديد من الأسباب، بعضها يتعلق
بالواقع العربي، وبعضها يتعلق بالاتجاه العربي للثورة المصرية، والبعض
الآخر بالمحددات الذاتية لإذاعة صوت العرب.
كما عملت برامجها على العزف على وتر التعصب للعروبة، ضد الاستعمار
والصهيونية، وغيرهما من الأخطار الخارجية، من خلال تقديم التمثيليات، التي
تتناول تاريخ العرب وأمجادهم وكفاحهم ضد الاستعمار.
وقد اعتمدت إذاعة صوت العرب على الكلمة المسموعة، في الاتصال بالجماهير
العربية، وعملت على زيادة تأثير هذه الكلمة في هذه الجماهير من خلال
استخدام الأصوات الجهورية، التي تدعم الحملات الإذاعية، وقد واكب ذلك ظهور
الوعي العربي الحقيقي وتثبيت ثقة العرب في أنفسهم.
كما تمثلت القوة الذاتية لإذاعة صوت العرب، في الأجهزة الهندسية القومية
العملاقة، القادرة على إرسال الإشارات إلى كل أرجاء العالم العربي، مما
جعلها من أشد الإذاعات وضوحاً، وأسهلها استقبالاً، في المنطقة، أو تمثلت في
الإمكانيات البشرية من مواهب فنية وغيرها، مما أدى إلى ثراء الرسالة
الإعلامية وتنوعها في صوت العرب، وبالتالي جذبت اهتمام الجماهير العربية في
كل مكان، بما في ذلك العرب المقيمون خارج حدود الوطن العرب، حيث كان هؤلاء
العرب مستهدفين من قبل إذاعة صوت العرب.

--------------------------------------------------------------------------------
[1] ألفن توفلر ، كاتب ومفكر أمريكي معاصر، قام خلال الخمسة والعشرين عاماً
الماضية، ومن خلال ثلاثة كتب هي `صدمة المستقبل`، و`الموجة الثالثة`، وثم
`تحول السلطة`، بمحاولة وصف الثورة العلمية والتقنية في الربع الأخير من
القرن العشرين وتأثيراتها الراهنة وتداعياتها المستقبلية، هادفاً على حد
تعبيره، إلى اكتشاف معنى للتغيرات ذات الاتساع المدهش، التي يعلن بها القرن
الحادي والعشرون عن وصوله.






الجـــزء الثاني

إذاعة صوت العرب في الفترة ما بين (1967ـ1977)

صوت العرب.. وحرب يونيه 1967





صوت العرب.. وحرب يونيه 1967
على الرغم من نجاح إذاعة صوت العرب خلال الخمسينيات في تحقيق الأهداف، التي
وضعت له من قبل القيادة المصرية، فإن الأسلوب الخطابي والنبرة الانفعالية
والخطابية، وتركيزه على استثارة عواطف ومشاعر الجماهير العربية، والذي
استمر استخدامه خلال الستينيات، بلغ ذروته خلال حرب يونيه 1967، بحيث يعده
عدد من المحللين من بين أسباب الهزيمة.
ففي الساعات الأولى لحرب يونيه 1967، أذاعت أجهزة الإعلام المصرية شعارات
مع أناشيد وموسيقى حربية وخطب حماسية، عن أخبار النصر وتباشير الفوز، وأخذت
تعلن، في بيانات رسمية، أن مصر أسقطت 250 طائرة إسرائيلية. وأخذت تذيع
أخباراً عن هزائم عسكرية مني بها الجيش الإسرائيلي، وأنه أخذ في الانسحاب
أمام القوات العسكرية المصرية، بل الأغرب من ذلك أنها، بعد ما بشرت به من
نهاية لإسرائيل وتدميرها، أذاعت خبراً مهماً كما قالت، بأن أم كلثوم وافقت
على أن تقيم حفلتها القادمة في تل أبيب بعد أسبوع.
وهكذا عاش الشعب العربي كله، في الساعات الأولى من الحرب، وفي أيام معدودة،
في موجة عارمة من الآمال غير الحقيقية؛ نتيجة هذه الأخبار. ولكن فجأة،
وعلى نقيض هذه النغمة تماماً، سمع الشعب الحقائق، وأعلنت أجهزة الإعلام
المصرية أنباء رسمية، تحمل الحقيقة، وتشير إلى الهزيمة، وتؤكد أن كل ما
أذيع غير صحيح. وهكذا ضاعت الآمال العريضة، ونتج عن ذلك كله زلزال نفسي
خطير للشعب المصري والعربي، نتيجة لكل ما قيل من أكاذيب، طوال أيام حرب
يونيه 1967. واستغلت أجهزة الدعاية الإسرائيلية هذا الموقف، وأخذت تذيع
وترد على الأخبار والبيانات، التي أذاعتها الإذاعة والإعلام المصري، فقالت
إن المغنية أم كلثوم، ستكون موضع ترحيب في حفلاتها القادمة في تل أبيب.
وأخذت الإذاعة الإسرائيلية تردد ما سبق أن قالته الإذاعة والإعلام المصري،
بأن، وزير الدفاع الإسرائيلي موشى ديان، فقد في الحرب، وتعلق عليه بأن ديان
معنا الآن، وأنه يتحدث، فيقول ديان، بغطرسة وتكبر، في الإذاعة
الإسرائيلية، إن جيش إسرائيل لا يهزم ولن يقهر، وأنه انتصر في ثلاثة حروب
مع العرب: حرب 1948، وحرب الأيام الستة في سنة 1967، وحرب السويس 1956.
وبعد هزيمة يونيه 1967، أُقيل أحمد سعيد من إدارة صوت العرب، وعُين بدلاً
منه يحيى أبو بكر، لفترة قصيرة. وفي سنة 1968، تولى الإذاعة محمد عروق، وهو
أحد المقربين لوزير الداخلية شعراوي جمعة. ولما وقعت أحداث 15مايو1971،
تولى إدارة الإذاعة سعد زغلول نصار، لتبدأ مرحلة جديدة بتوجهات مختلفة.
إضافة إلى الأهداف السابقة والمحددة لإذاعة صوت العرب، وضع صوت العرب أهدافاً أخرى له، بعد هزيمة يونيه 1967منها :
1. منع النفس العربية من التردي في بحار اليأس والتمزق، وحمايتها من التفكك.
2. التأكيد على قومية المعركة، واستنفار الجماهير العربية لها، وإيقاظ
المسؤولية العربية، وضرورة اشتراك العرب جميعهم في معركة المصير.
3. التركيز على ضرورة نبذ الخلاقات العربية جانباً.
إذاعة صوت العرب في عهد الرئيس السادات
وفي 28 سبتمبر سنة 1970، رحل الرئيس جمال عبدالناصر وتولى نائبه محمد أنور السادات رئاسة الجمهورية.
وفي 11 سبتمبر 1971، صدر الدستور المصري الدائم ونصت مادته السابعة
والأربعون على أن حرية الرأي مكفولة، ولكل إنسان حق التعبير في حدود
القانون، وأن النقد الذاتي والنقد البناء ضمان سلامة البناء الوطني، ونصت
مادته الثامنة والأربعون على أن حرية الصحافة والطباعة والنشر ووسائل
الإعلام مكفولة والرقابة على الصحف محظورة وإنذارها أو وقفها أو إلغاؤها
بالطريق الإداري محظور، ويجوز استثناء في حالة الطوارئ أو في زمن الحرب، أن
يفرض على الصحف والمطبوعات ووسائل الإعلام رقابة محددة في الأمور التي
تتصل بالسلامة العامة أو لأغراض الأمن القومي، وذلك كله وفقا للقانون.
وقد تأثرت وسائل الإعلام ومن بينها الإذاعة والتليفزيون بالتغييرات حيث تم
تعيين وزير جديد للإعلام هو الدكتور محمد عبدالقادر حاتم خلفا لمحمد فائق،
وتم إقصاء رئيس الإذاعة محمد أمين حماد وندب عبدالرحيم سرور رئيسا للإذاعة،
وكذلك أُقيل محمد عروق[1] مدير إذاعة صوت العرب، وعين بدلا منه الإذاعي
سعد زغلول نصار كمدير لصوت العرب الذي استمر في هذا المنصب حتى عام 1977.
ويؤكد الدكتور محمد عبدالقادر حاتم نائب رئيس الوزراء المصري خلال حرب
أكتوبر 1973، والمسؤول عن الإعلام خلال حرب أكتوبر 1973، أن تأثير ما حدث
في يونيه 1967 كان عميقا على المصريين والعرب، وكان أحد الأسباب الرئيسية
لذلك ما أذاعته أجهزة الإعلام المصرية من بيانات وأخبار وكذلك نشر
التصريحات اللامسؤولة قبل حرب يونيه 1967، بأننا نملك الصواريخ التي ستدمر
إسرائيل في ساعات محدودة وإننا نملك أقوى عسكرية في الشرق الأوسط، وأخذت
أجهزة الإعلام في تهويل قوة قواتنا والتهوين من قدرة قوات إسرائيل.
وذهب الباحث الأمريكي المتخصص في الاتصال السياسي جوليان هيل، إلى أنه في
أكتوبر 1973، استطاع صوت العرب أن يضع جانبا تجربة 1967، إذ إنه تجنب
اللجوء إلى الأسلوب الهستيري وتميزت أساليبه بالنضج.
وبذلك ساهم صوت العرب خلال حرب أكتوبر 1973 في تنفيذ الخطة الإعلامية المصرية التي قامت على مبادئ أساسية من أهمها:
1. حق المواطن في أن يعلم وهو حق قرره الإعلام العالمي لحقوق الإنسان،
فطبقا لهذا الإعلان ينبغي احترام حق المواطن في أن يعلم، وتعتبر الأجهزة
الإعلامية مسؤولة عن أن يقف المواطن على الأخبار والبيانات والمعلومات منها
قبل أن يستمع إليها من أجهزة إعلامية أخرى.
2. إطلاق حرية الصحافة ورفع الرقابة عنها لتصبح أداة فعالة في خدمة الشعب.
3. حق المواطن في أن يعرف عدوه، وعلى ذلك كان من أهم ما راعته الخطة
الإعلامية هو الإفراج عن الكتب الخاصة بإسرائيل تحت شعار أعرف عدوك، وتم
ترجمتها ونشر طبعات شعبية منها.
4. العمل على ترسيخ العقيدة كدافع مؤثر في سلوك الفرد والجماعات سواء كانت
عقيدة دينية أو وطنية، ففي العقيدة الدينية تمجيد للقتال والاستشهاد، وفي
تحقيق ذلك كله ابتعد الإعلام عن الحملات الانفعالية والتزم بالموضوعية
التامة.
5. تقديم المعلومات والحقائق للجماهير والشعب أولا بأول وفي أسرع وقت فذلك
هو السبيل العلمي للقضاء على الشائعات التي تشكل خطرا على الجبهة الداخلية.
زيادة ساعات الإرسال
دخلت إذاعة صوت العرب مرحلة جديدة منذ أوائل السبعينيات من القرن العشرين
وتوسعت قدراتها. (انظر جدول متوسط عدد ساعات البث الإذاعي لصوت العرب، منذ
سنه 1971 وحتى سنة 1987).
وتشير بيانات الجدول أن إرسال إذاعة صوت العرب في بداية السبعينيات يستغرق
عدداً أكبر من الساعات التي تبث بها حالياً، فقد كانت 22 ساعة في نهاية
الستينيات، ثم وصلت إلى أكثر من 25 ساعة عام 1971، ثم زادت في العام
التالي، حتى وصلت عام 1973 إلى أكثر من 31 ساعة يومياً، ثم انخفضت انخفاضاً
ملحوظاً بعد سنة الحرب والسنوات التالية لها.
والجدير بالذكر أن إذاعة صوت العرب تتفاعل مع الأحداث والمناسبات الوطنية،
فيزداد عدد ساعات إرسالها، إذا تطلب الأمر ذلك، والمثال على ذلك أنها قدمت
برامج مستمرة لمدة 20 ساعة ونصف الساعة، من الخامسة صباحاً وحتى الواحدة
والنصف بعد منتصف ليل يوم 20 فبراير 1959، بمناسبة أعياد الوحدة.
مرحلة عصر الشبكات الإذاعية
بدأت مرحلة جديدة في عمر الإذاعة المصرية بدءاً من أول شهر أبريل عام 1981،
حيث تم تطبيق نظام فني متخصص عرف بنظام الشبكات الإذاعية.
وبلغ عدد ساعات إرسال الشبكات الإذاعية السبع، التي تتكون منها الإذاعة
المصرية، خلال عام 85/1986، وفقاً لتقرير إحصائي صادر عن اتحاد الإذاعة
والتليفزيون، حوالي 86023 ساعة بمتوسط يومي 235 ساعة و41 دقيقة، موزعة على
الشبكة الرئيسية (10.18%)، الشبكة الإقليمية (23.89%)، الشبكة الثقافية
(14.40%). الشبكة الدينية (8.34%)، الشبكة التجارية (6.35%)، الشبكة
العربية (25.97)، والشبكة الموجهة (10.87%).
ويتوزع إجمالي ساعات إرسال الشبكات الإذاعية السبع، خلال عام 85/1986، على
البرامج الترفيهية (35.62%)، البرامج الثقافية (21.31%)، البرامج الدينية
(19.57%)، البرامج الإعلامية (15.86%)، برامج الفئات (3.69%). الخدمات
الموجهة (2.48%)، الإعلانات التجارية (1.22%)، والبرامج التعليمية (0.25%).
أي أن إرسال صوت العرب في هذه المرحلة أصبح في إطار الشبكة العربية.
وخلال هذه الفترة كانت الشبكة العربية تبث برامجها على 8 موجات متوسطة
وقصيرة، وكانت تضم ثلاث إذاعات هي: إذاعة صوت العرب وفلسطين ووادي النيل،
وبلغ إجمالي ساعات إرسالها خلال عام 85/1986 حوالي 9348 ساعة، بمتوسط يومي
25 ساعة و37 دقيقة، بنسبة 10.87% من إجمالي ساعات إرسال الشبكات الإذاعية
السبع، وبنسبة 14.68% من إجمالي ساعات إرسال الشبكات الإذاعية الست بعد
استبعاد الشبكة السابعة (الموجهة)، ويتوزع إرسال الشبكة العربية على
إذاعات: صوت العرب (64.86%)، فلسطين (19.52%)، ووادي النيل (15.62%)
وقد كانت إذاعة صوت العرب، داخل الشبكة العربية، تستهدف تعميق الشعور
القومي العربي وإبراز الروابط العميقة، التي تجعل من الوطن العربي أسرة
واحدة ذات مصير واحد، وإلقاء الضوء على إمكانات الأمة العربية، ومجالات
العمل العربي المشترك، والتعبير عن وجهة نظر مصر في الشؤون العربية، وإبراز
دورها العربي، وكان إرسالها في بداية بثها في 4 يوليه عام 1953 نصف ساعة،
وفي أكتوبر، من العام نفسه، أصبح الإرسال ساعة كاملة، وفي يناير عام 1954
ألغي البرنامج الثاني، وحل مكانه صوت العرب، بإرسال يومي لمدة ساعتين، وصلت
في يونيه عام 1954 إلى سبع ساعات، وفي عام 1962بلغ عدد ساعات الإرسال
22ساعة و15 دقيقة، وصلت عام 70/1971إلى 24ساعة يومياً، ثم انخفضت عام
1978إلى 18ساعة و32 دقيقة، وعام 1979إلى 18ساعة و36 دقيقة.
وبلغ إجمالي ساعات إرسال إذاعة صوت العرب عام 85/1986 حوالي 6063 ساعة
تتوزع على: البرامج الترفيهية (51.04%)، البرامج الثقافية (17.20%) البرامج
الإعلامية (16.31%)، البرامج الدينية (13.35%)، برامج الطوائف (1.15%)
والخدمات الموجهة (0.95%).


--------------------------------------------------------------------------------
[1] كان محمد عروق من الإعلاميين المقربين من شعراوي جمعة، وزير الداخلية
المصري، وقد عين عام 1968 كثالث مدير لإذاعة صوت العرب بعد يحيى أبو بكر
الذي تولى مهمة إدارة صوت العرب عام 1967، خلفا لأحمد سعيد الذي تولى إدارة
صوت العرب منذ إنشائه وحتى أحداث 5 يونيه 1967.